سلسة رجال من اليمن: أبو بكر القربي- الطبيب الذي خَبِرَ السياسة دون أن يلوّثه دخانها

  • خاص AF
  • منذ سنة - Monday 26 May 2025

سلسة رجال من اليمن: أبو بكر القربي- الطبيب الذي خَبِرَ السياسة دون أن يلوّثه دخانها

AF

 

 


تمهيد: رجال من اليمن… وجوه في الظل

 

 

 

في زمن تتصدّر فيه الضجيج والاصطفافات، يغيب عن الواجهة أولئك الذين شكّلوا جوهر اليمن الحديث: رجال دولة، ومثقفون، ودبلوماسيون، وشعراء، تركوا بصمات عميقة بصمتٍ ونزاهة، بعيدًا عن الصراعات العقيمة.

 


في هذه السلسلة، نعيد تسليط الضوء على بعض من أبرز الشخصيات اليمنية التي ساهمت في صياغة الوعي الوطني، والسياسة، والثقافة، سواء في الداخل أو على الساحة العربية والدولية. نكتب عنهم لا لنمجّد، بل لننصفهم بعد أن طالهم التهميش أو النسيان.

 


هذه بورتريهات لأصوات ظلّت نزيهة في زمن الشك، وجوه قد لا تصرخ، لكنها صنعت الفرق

 

 

بورتريه لرجل ظل في قلب العاصفة دون أن يُعرَف صوته

 

 

في عالم السياسة اليمنية، كثيرون مرّوا كالعواصف… ضجيجٌ وركام. وقليلون عبروا كالماء… بهدوء وعمق. من بين هؤلاء القلّة، يبرز اسم الدكتور أبو بكر القربي، الرجل الذي حمل حقيبة الخارجية اليمنية لأكثر من عقد، في زمن كانت فيه الدبلوماسية تمرّ بأصعب اختباراتها، وظل رغم كل العواصف يحتفظ بتوازن الطبيب، ورصانة المثقف، وتحفّظ العارف.

 

 

 

من غرفة العمليات إلى دهاليز السياسة

 

 

 

وُلد أبو بكر عبد الله القربي في عدن  عام 1942، ودرس الطب في الخارج، متخصصًا في علم الأمراض (Pathology)، قبل أن يتجه لاحقًا إلى العمل الأكاديمي والإداري. لكن مسار هذا الطبيب تغيّر حين اقتحم الحياة العامة بعد قيام الوحدة اليمنية، ليشغل لاحقًا مناصب هامة في السلك الدبلوماسي، أبرزها وزير الخارجية من 2001 حتى 2014.

 

 


ما يُميز القربي ليس فقط استمراريته في منصب دقيق، بل قدرته على الحفاظ على الحد الأدنى من المهنية، حتى في بيئة سياسية تحكمها التوازنات، لا الكفاءات.

 


هل يمكن أن تكون تكنوقراطًا في بحر من الولاءات؟ القربي جرّب وأثبت أن ذلك ممكن، وإن كان مكلفًا.

 

 

 

دبلوماسي بلا ضجيج… ومفاوض بلا صخب

 

 

 

اشتهر القربي في الأوساط الدبلوماسية بهدوئه، ولغته الدقيقة، ونفوره من “المانشيتات النارية”. لم يكن نجمًا إعلاميًا، ولم يُعرف عنه أنه صاحب تصريحات شعبوية. لكنه كان حاضرًا دائمًا خلف الكواليس، يسعى إلى تقريب المسافات، وبناء الجسور، لا حرقها.

 


في عهده، خاضت اليمن علاقات معقدة مع أمريكا، الخليج، وإيران. وكانت الأزمات تتوالى: الحرب على الإرهاب، صعدة، الجنوب، الانقسام السياسي، ثم الربيع العربي. ومع ذلك، لم يُسجّل على القربي انحياز فجّ، ولا تصريح مثير للفتنة. كان يتكلم باسم الدولة، لا النظام.

 


ربما لهذا السبب، لم يُحبّه بعض أصحاب القرار الذين أرادوا صوتًا أعلى. لكن خصومه لم يجدوا ما يطعنون به سمعته.

 

 

في زمن ما بعد 2011: حيادٌ أم عزلة؟

 

 

 

بعد انتفاضة 2011، خرج القربي من المشهد الرسمي تدريجيًا، لكنه لم يختفِ. ظل يُدلي برأيه بتغريدات مقتضبة، ومداخلات موزونة، يُراعي فيها سيادة اليمن، وضرورة التوافق، ورفض العنف.

 


ورغم الضغوط، لم ينخرط في أي معسكر بشكل صريح. لم يقف مع الحوثيين، ولا مع التحالف، ولا مع الإخوان، ولا حتى مع بقايا النظام السابق، رغم علاقته المعروفة بعلي عبد الله صالح. اختار طريقًا صعبًا: طريق الحياد الوطني، الذي لا يرضي أحدًا، لكنه يحفظ كرامة صاحبه.

 


هل هو حكيم متريث؟ أم دبلوماسي أُقصي بهدوء؟ أم شخصية أكبر من أن تُختزل في اللحظة؟

 

 

 

خاتمة: الرجل الذي لم يُغيّره المنصب

 

 

 

في زمن الانهيارات، حافظ أبو بكر القربي على ثبات داخلي نادر. لم يُشوَّه اسمه في ملفات الفساد، ولم يُعرف عنه إساءة استخدام السلطة. عاش صراع السياسة، لكنه خرج منه بطبعه لا بطبائعها.

 


قد يختلف الناس حول مواقفه، أو حول صمته أحيانًا، لكن قليلون يختلفون على أنه كان نموذجًا نادرا لرجل الدولة اليمني: عاقل، نظيف، هادئ، ومخلص لفكرة الوطن أكثر من السلطة

AF