منذ سنة - Thursday 15 May 2025
AF
النكبة ليست ذكرى.. بل واقع مستمر. هذا هو العنوان الحقيقي لمسيرة الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى اليوم. فبعد مرور 77 عامًا على تهجير أكثر من 950 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم، لا تزال آلة الاحتلال تواصل نهجها القائم على الطرد والتدمير، وسط مقاومة شعبية متواصلة، وإصرار على البقاء والتجذر في الأرض.
في عام 1948، قامت العصابات الصهيونية بتهجير نحو 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون كانوا يقيمون في أكثر من 1300 بلدة وقرية. تم تدمير 531 قرية بشكل كامل، بينما سيطر الاحتلال على ما تبقى، وتم إخضاع الفلسطينيين فيها لقوانينه العنصرية. وترافق ذلك مع ارتكاب أكثر من 70 مجزرة أدت إلى استشهاد ما يزيد عن 15 ألف فلسطيني.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، يعيش الفلسطينيون فصلًا جديدًا من فصول النكبة، حيث تشن إسرائيل حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد وإصابة أكثر من 200 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، إلى جانب 11 ألف مفقود وارتكاب أكثر من 11,800 مجزرة بحق العائلات.
كما تسببت الحرب في نزوح أكثر من 1.9 مليون فلسطيني وتدمير أكثر من ثلثي البنية التحتية والمنازل والمؤسسات العامة والخاصة في القطاع، في مشهد يعيد إلى الأذهان مأساة التهجير الأول.
وفي مايو 2025، كشفت تقارير عن خطة إسرائيلية سرية تُعرف باسم "عربات جدعون"، تسعى لفرض تهجير قسري شامل لسكان غزة، عبر احتلال ما تبقى من القطاع، بالتزامن مع تدمير المرافق المدنية ومنع المساعدات، في انتهاك صارخ لاتفاقية منع الإبادة الجماعية.
تصريحات نتنياهو وسموتريتش لم تترك مجالًا للشك: "لا دخول ولا خروج من غزة"، و"سنحتل القطاع أخيرًا"، و"يجب ألا تُعدل هذه الخطط حتى بعد الإفراج عن الأسرى".
رغم تحذيرات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، فإن التحرك الدولي لا يزال دون الحد الأدنى من المسؤولية. اتفاقية الإبادة الجماعية، الموقعة من 153 دولة، تفرض على الدول واجب التحرك لمنع الإبادة بمجرد إدراك الخطر، لا عند ثبوت وقوع الجريمة. ومع ذلك، لم يتم تفعيل هذا الواجب على النحو المطلوب.
وفي إطار السعي لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونين في أكتوبر 2024 يحظران عمل وكالة الأونروا داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل. ومع حلول يناير 2025، تم تنفيذ القرار، رغم أن أكثر من 70% من منشآت الوكالة في غزة دُمّرت، واستشهد 295 من موظفيها خلال العدوان.
بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد الفلسطينيين في منتصف 2025 نحو 15.2 مليون نسمة، نصفهم تقريبًا خارج فلسطين، بينما يعيش 7.4 مليون في الداخل الفلسطيني. وفي المقابل، تُشير التقديرات الإسرائيلية إلى عدد مشابه من السكان اليهود، مما يبرز توازنًا ديموغرافيًا حساسًا يفضح الرواية الإسرائيلية حول "أرض بلا شعب".
في بيانها بمناسبة الذكرى الـ77 للنكبة، أكدت اللجنة الوطنية العليا لإحياء ذكرى النكبة تمسك الفلسطينيين بحق العودة، ورفضها الكامل لمشاريع الوطن البديل والتهجير، مشيرة إلى أن ما يجري اليوم في غزة والضفة الغربية هو استمرار لسياسة التطهير العرقي التي بدأت منذ النكبة الأولى.
وأشارت اللجنة إلى خطر المجاعة الذي يهدد حياة أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في غزة، نتيجة الحصار ومنع دخول الغذاء والدواء والوقود، في حين تتعرض الضفة الغربية ومخيماتها لحملات اقتحام وتدمير ممنهجة، أسفرت عن نزوح 45 ألفًا وتدمير آلاف المنازل.
في الذكرى الـ77 للنكبة، لم يعد السؤال عن الماضي فقط، بل عن المستقبل: إلى متى سيبقى العالم صامتًا؟ وهل يتكرر التاريخ بنكهة أشد قسوة؟ رغم كل ذلك، يظل الفلسطيني، داخل الوطن أو خارجه، متمسكًا بجذوره، بهويته، وبحقه في أرضه التي لا يملك أحد أن يسلبها منه.