منذ سنة - Sunday 11 May 2025
AF
لم تعد الجيوش وحدها تخوض المعارك في العصر الحديث. اليوم، أصبحت شركات التكنولوجيا والطاقة والتمويل أهدافًا رئيسية في صراع دولي غير معلن، لكنه بالغ الخطورة، تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية مع التهديدات السيبرانية، لتجد المؤسسات نفسها على خطوط المواجهة الأولى، في عالم تسوده "المعارك الصامتة".
وفي تقرير حديث نشرته صحيفة Fair Observer الأمريكية، جرى التحذير من ظاهرة تصدع النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو تصدعٌ لم يعد يسمح بضبط تحولات القوة العالمية، ما يفتح الباب أمام موجات متزايدة من الفوضى العابرة للحدود.
اليوم، لم تعد المؤسسات الاقتصادية أطرافًا محايدة في صراعات الدول. من الهجمات السيبرانية إلى الاغتيالات والتخريب المتعمد، أصبحت الشركات بمثابة "الجيش الموازي" الذي تستهدفه القوى المعادية لإضعاف الدول. فكما كانت شركات الاستعمار تمثل أذرعًا للنفوذ الإمبراطوري، فإن شركات اليوم، من مزودي الطاقة إلى مطوري الذكاء الاصطناعي، باتت جزءًا من معادلة الردع والاستهداف.
ويشير التقرير إلى أن الرؤساء التنفيذيين أصبحوا أشبه بقادة عسكريين، يُطلب منهم اتخاذ قرارات حاسمة في ظل مخاطر متنامية تشمل الاختراقات، والهجمات المعقدة، وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
في عصر أصبحت فيه الأحداث العابرة للقارات تؤثر في بعضها البعض بشكل فوري، بات أي اضطراب، من تفشي وباء في آسيا إلى توتر سياسي في واشنطن، قادرًا على هزّ أسواق المال العالمية وتهديد استقرار شبكات الإمداد.
وتربط الصحيفة هذا الواقع بما تسميه "سلسلة الأزمات المترابطة"، والتي تفاقمت بسبب تآكل النظام الليبرالي العالمي، ودخول الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد النيوليبرالية، حيث لم تعد الكفاءة كافية لحماية الشركات، بل باتت القوة والمرونة الاستراتيجية هي المفتاح.
بحسب تقرير "تقييم التهديدات العالمية لعام 2025" الصادر عن منظمة Global Guardian، فإن دولاً مثل روسيا، الصين، إيران، وكوريا الشمالية – التي وصفت بـ"محور الفوضى" – صعّدت هجماتها غير التقليدية على الشركات الغربية منذ عام 2022. وتضمنت هذه الهجمات تخريب شبكات الاتصالات، وحرائق صناعية، واغتيالات لمديرين تنفيذيين، وحتى حوادث طيران غامضة.
وتعد الهجمات المتزامنة من قبل أكثر من طرف من هذا المحور الأكثر خطورة، حيث تهدف إلى تشتيت الدفاعات الغربية وإرباك البنى التحتية الحيوية.
تشير الصحيفة إلى أن الردع التقليدي الذي اعتادت عليه القوى الكبرى لم يعد كافيًا، خاصة مع تصاعد التوترات حول البرنامج النووي الإيراني، وزيادة احتمالات الغزو الصيني لتايوان.
وقال كريستوفر راي، المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي، في شهادته أمام الكونغرس عام 2024 إن هناك اختراقات صينية "مستمرة وعميقة" للبنية التحتية الأمريكية، تُعدّ تمهيدًا لهجوم رقمي واسع قد يتزامن مع عمل عسكري في تايوان.
في ظل هذا الواقع، لم يعد أمام الشركات إلا الاستعداد، عبر تبني استراتيجيات دفاعية رقمية متقدمة، وتدريب الموظفين على مواجهة الهجمات السيبرانية، والتعامل مع الأزمات كجزء من بيئة التشغيل اليومية.
ويُشدد التقرير على أهمية "المرونة الاستراتيجية" من خلال:
تحديث البنية الأمنية والتقنية.
تقييم المخاطر عبر جهات مستقلة.
تدريب الموظفين على سيناريوهات هجوم واقعية.
حماية القيادات التنفيذية من محاولات الاستهداف.
تنويع سلاسل التوريد وبناء خطط بديلة للطوارئ.
بحسب التقرير، لا تزال أكبر نقطة ضعف في منظومات الأمن الإلكتروني هي العنصر البشري. فإيميل مخادع أو رابط مصمم بدقة كفيل بإحداث اختراق كارثي. ولهذا، يجب اعتبار كل موظف خط الدفاع الأول، من خلال تدريبات دورية على التهديدات الحديثة، وممارسات الحماية، والتبليغ الفوري عن أي سلوك مشبوه.