مصر.. عودة اللاعب العربي الأصيل إلى ساحة الإقليم ..من غزة الى اليمن مرورا بلبنان

  • منذ 7 أشهر - Thursday 30 October 2025

مصر.. عودة اللاعب العربي الأصيل إلى ساحة الإقليم ..من غزة الى اليمن مرورا بلبنان

AF

ما يجري اليوم في لبنان ليس تفصيلاً صغيراً في المشهد الإقليمي، بل هو عنوان واضح لتحوّل كبير تعيشه المنطقة، مع عودة مصر – عبر جهاز مخابراتها – لتكون اللاعب العربي المركزي، الذي يتحرك بثقة وحكمة، وبتاريخ طويل من الخبرة، وبنَفَس عروبي أصيل لا يشكّك فيه أحد.

 


الاهتمام المصري بالملف اللبناني لا يأتي من باب المجاملة، بل من إدراك عميق بأن وقف إطلاق النار في غزة لن يكتمل ما لم يتم تثبيت الجبهة الشمالية مع لبنان، وأن الأمن الإقليمي لا يُبنى بالصفقات السريعة، بل عبر تفاهمات شاملة تمتد لتشمل كل الملفات الساخنة في المنطقة، من فلسطين إلى لبنان وربما إلى اليمن لاحقاً.

 


في لحظة سياسية وعسكرية معقّدة، تتحرك القاهرة بهدوء ودقة. لا ضجيج ولا استعراض، بل عمل محترف من مدرسة قديمة تعرف أن السياسة ليست صراخاً، وأن المخابرات حين تتحرك فهي تعرف ماذا تريد.

 

 

 

حضور عربي خالص

 

 

 

منذ سنوات طويلة، غاب الحضور العربي الفاعل عن إدارة الملفات الإقليمية، بعدما احتلت القوى غير العربية – الإقليمية والدولية – المشهد، وتحوّل العرب إلى رد فعل، لا إلى فعل. لكن مصر اليوم تعيد التوازن، وتستعيد دورها الطبيعي، بوصفها الدولة التي لا تخشى من حمل ملفات المنطقة على كتفيها، وتملك من الرصيد والمكانة ما يجعلها مقبولة من الجميع.

 


في لبنان، تستقبل القاهرة جميع الأطراف، وتسمع للجميع. لا تتعامل مع طرف ضد آخر، بل تبحث عن استقرار حقيقي، وتؤمن أن قوة لبنان من وحدة مؤسساته، ومن قدرة الدولة على بسط سلطتها من دون أن تدخل في لعبة المحاور. ولهذا، فإن حتى حزب الله، الذي يتحسس عادة من التدخلات الخارجية، لا يجد في الدور المصري خصومة أو نوايا خفية.

بل على العكس، ينظر إليه كوسيط نزيه، صادق، عربي الهوى، حريص على لبنان، وعلى أمن واستقرار المنطقة.

 

 

 

عقل الدولة لا الميليشيا

 

 

 

القاهرة تدير الملف بعقل الدولة، لا بعقل الميليشيا، ولا من منطلق الثأر أو التحدي.

هي تدرك أن وقف إطلاق النار في غزة ليس مجرد تفاهم عسكري، بل فرصة لبناء حالة سياسية جديدة، تنهي دوامة الحروب وتفتح الباب أمام صيغة استقرار إقليمي، تُشارك فيها كل الأطراف العربية، من موقع الشراكة لا التبعية.

 


وهذا ما يميز مصر عن غيرها: أنها حين تدخل أي ملف، لا تبحث عن مكاسب ضيقة، ولا عن نفوذ لحساب أحد، بل عن استقرار طويل المدى. وهذا ما يجعلها مرحّباً بها في كل العواصم.

 

 

 

الدور المصري في لبنان

 

 

 

زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية إلى بيروت لم تكن زيارة بروتوكولية، بل كانت رسالة واضحة بأن مصر قررت أن تتحمل مسؤوليتها كقوة عربية كبرى.

فهي تدرك أن لبنان ليس مجرد جبهة حدودية، بل عقدة توازن في قلب الصراع العربي-الإسرائيلي، وأن استقراره يعني تحييد واحدة من أخطر البؤر التي يمكن أن تشعل المنطقة.

 


مصر تعمل على تثبيت التهدئة، ومنع الانزلاق نحو حرب شاملة، وهي تدرك أن إسرائيل تبحث عن مخرج آمن من المأزق الذي تورطت فيه في غزة، وأن حزب الله لا يريد حرباً مدمّرة للبنان.

في هذا الفراغ، تدخل القاهرة لتصوغ تفاهمات تحفظ ماء الوجه للجميع، وتمنع الانفجار، وتؤسس لمرحلة مختلفة تُفتح فيها أبواب السياسة بدل الميدان.

 

 

 

عروبة المخابرات المصرية

 

 

 

الملفت أن المخابرات المصرية، رغم كل تجاربها وخبرتها في ملفات معقدة، لم تفقد طابعها العروبي.

تتحرك بوعي قومي، وبحس مسؤول، وبخطاب لا يحمل أجندات طائفية ولا طموحات توسعية.

وهذا بالضبط ما تحتاجه المنطقة اليوم: جهة تُعيد تعريف “النفوذ” بمعناه الأخلاقي والسياسي، لا العسكري ولا الاقتصادي.

 


العروبة هنا ليست شعاراً، بل منهج عمل.

فحين تتحرك القاهرة نحو لبنان، فإنها تُعيد للأذهان صورة مصر عبد الناصر، مصر التي لا تفرّق بين عاصمة عربية وأخرى، والتي ترى في أمن بيروت جزءاً من أمن القاهرة، وفي استقرار صنعاء امتداداً لاستقرار الإقليم كله.

 

 

 

الملف اليمني.. القادم الهادئ

 

 

 

قد لا يُعلن بعد، لكن في الكواليس، هناك عمل مصري هادئ في الملف اليمني.

القاهرة تدرك أن الحرب هناك استنزفت الجميع، وأن الحل السياسي هو الطريق الوحيد لإنهائها.

ولأن اليمن ساحة حساسة تمسّ الأمن القومي العربي والبحري المصري في البحر الأحمر، فإن القاهرة تتحرك باتجاهين: دعم الحل السياسي من جهة، والحفاظ على التوازن العربي من جهة أخرى.

وإذا ما نُجح المسار اللبناني، فإن اليمن سيكون الخطوة التالية في “مشروع الاستقرار العربي” الذي يُرسم اليوم بصمت، وتحت إدارة مصرية هادئة ومحترفة.

 

 

 

من غزة إلى بيروت.. ومن صنعاء إلى القاهرة

 

 

 

ربما تكون غزة هي البوابة التي أعادت مصر إلى الواجهة.

فمنذ اندلاع الحرب، تحركت القاهرة بثقلها السياسي والأمني، ونجحت في فرض نفسها كوسيط لا غنى عنه.

ثم انتقلت بثقة إلى الملف اللبناني، لتمنع الانفجار الكبير، وتفتح باب الحوار.

وهي اليوم، تستعد للدخول إلى الملف اليمني، في إطار مشروع أكبر لإعادة صياغة النظام الإقليمي على قاعدة عربية خالصة.

 


إنها ليست صدفة أن تعود مصر بهذا التوقيت بالذات؛ فكل الفاعلين الآخرين استُنزفوا:

تركيا انكفأت إلى الداخل، إيران غارقة في صراعات التوازنات، وإسرائيل في مأزق وجودي، والخليج يبحث عن استقرار.

وسط هذا الفراغ، تخرج القاهرة من جديد، لتقول كلمتها: أن العرب لا يحتاجون وصاية، بل يحتاجون قيادة عاقلة ومسؤولة.

 

 

 

التوازن الجديد

 

 

 

التحرك المصري اليوم ليس فقط في خدمة وقف إطلاق النار، بل في بناء توازن جديد في المنطقة.

توازن يقوم على إعادة الدور العربي إلى مركز القرار، لا على هامشه، وعلى تحييد الصراعات الطائفية لصالح منطق الدولة.

لبنان هو البداية، واليمن قد يكون المحطة التالية، وغزة هي القلب الذي يُعيد توجيه البوصلة.

 


الرسالة الأهم في كل ذلك أن الزمن العربي لم ينته، وأن اللاعب العربي الأصيل عاد إلى الميدان.

فالقاهرة، بخبرتها ومؤسساتها وعقلها العروبي، تمسك الآن بخيوط معقدة كانت حتى الأمس حكراً على الآخرين.

وهي تفعل ذلك بهدوء، بلا استعراض ولا ضجيج، ولكن بثقة من يعرف أن من يملك مفاتيح التهدئة يملك مفاتيح المستقبل