منذ 11 شهر - Wednesday 25 June 2025
AF
ماهو الفرق بالتعامل مع الغرب او النظام الدولي الذي ترأسه امريكا، بين ايران ودول الخليج!
ان المقارنة بين إيران والخليج تختصر بذكاء فلسفتين مختلفتين في التعامل مع النظام الدولي.. مابين مقاوم ومواجهة لهذا النظام ، وبين مسالم ومهادن، واحياناً كثيرة تابع!
إيران رأت في الصراع مع الغرب تجليًا لما تسميه “مقاومة الاستكبار العالمي”، وقررت أن تسلك طريق المواجهة مهما كانت الكلفة.
الحصار، والعقوبات، وحتى الحرب، كلّها مراحل في معركة أكبر – معركة تصفها بطريق “المستضعفين” في وجه “المستكبرين”.
تحوّل الصراع من نزاع سياسي إلى عقيدة استراتيجية تُبرّر التحدي، وتُضفي شرعية على كل تكلفة تُدفع.
في المقابل، دول الخليج تبنت خيار “السلام مقابل الاستقرار”، وراهنت على الحماية الغربية والاندماج في اقتصاد الحداثة.
لكن هذا المسار جاء بثمن: التنازل الضمني عن القرار السيادي المستقل، فكلما اقتربت من الغرب تقنيًا واقتصاديًا، ابتعدت عنه سياسيًا واستراتيجيًا، وأصبحت جزءًا من منظومة لا تتحكم بمفاتيحها بالكامل
منذ مطلع القرن العشرين، لم تعد المواجهة بين الشعوب والأنظمة الكبرى مجرد نزاعات حدودية أو تجارية، بل تحولت إلى صراع وجودي بين ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ”المستضعفين” و”المستكبرين”. هذه الثنائية، التي اختارت إيران أن تؤطر صراعها الإقليمي والدولي بها، فتحت بابًا واسعًا للتساؤل: هل مواجهة “الاستكبار” – بمفهومه الرمزي والسياسي – تُفضي إلى بناء الدول؟ أم أنها طريق حتمي نحو الإنهاك والعزلة؟
منذ الثورة الإسلامية عام 1979، اختارت طهران طريق التصادم مع النظام الدولي بقيادة أمريكية. لم يكن هذا خيارًا عابرًا، بل رؤية عقائدية راسخة تُفسر كل عقوبة وكل حرب وكل حصار بأنه ثمن مشروع في مواجهة “الاستكبار”.
لقد خسرت إيران قادة، علماء، موارد ضخمة، وتعرضت لعقوبات غير مسبوقة. لكنّها، في المقابل، بنت قدرات صاروخية، طوّرت برنامجًا نوويًا، ونسجت شبكة حلفاء فاعلين يمتدون من صنعاء إلى بيروت. إنها دولة دفعت كلفة عالية، لكنها امتلكت قرارها.
في الجهة المقابلة، اختارت دول الخليج طريقًا مختلفًا تمامًا: السلام مقابل الاستقرار، الحماية مقابل الحداثة.
لقد أنشأت مدنًا ذكية، وجامعات عالمية، ومشاريع اقتصادية عملاقة. لكنها، في كل ذلك، اعتمدت على المظلة الغربية الأمنية والسياسية.
قد يبدو المسار أقل كلفة من حيث الدماء والحصار، لكنه أغلى على المدى السيادي. لأن أدوات القوة، من الصناعة إلى القرار العسكري والسياسي، أصبحت جزءًا من نظام لا تتحكم فيه هذه الدول إلا كـ”شركاء محدودي النفوذ”.
ليست المشكلة في مواجهة الاستكبار بحد ذاتها، بل في قدرة الدولة على الصمود، والبناء، والاستثمار في المواجهة لا التآكل بها.
تمامًا كما أن الاندماج في النظام العالمي ليس خطأً بذاته، لكن المشكلة حين يكون ثمنه هو التنازل عن الحق في الاعتراض، أو في السيادة الاستراتيجية.
إيران تبدو في نظر البعض منهَكة، لكنها – في معادلة القوة – صامدة، مخيفة، وتملك أوراق ضغط حقيقية.
بينما دول أخرى تبدو مستقرة، لكنها مكشوفة أمنيًا، ومرهونة للقرار الخارجي في لحظات الصدام.
دولة تصنع طائراتها، وتتحكم بموانئها، وتفرض احترامها، ولو تألمت؟
أم دولة تستورد أمنها، وتصدّر قرارها، وتكتفي بالازدهار الظاهري؟
مواجهة الاستكبار لا تبني الدول وحدها. لكنها، حين تُقترن بالعقل الاستراتيجي والإرادة التنموية، قد تكون طريقًا مرًا نحو الكرامة. أما الاستسلام، فربما يوفّر رفاهية مؤقتة، لكنه لا يبني هيبة… ولا يصنع استقلالًا
سلام