منذ سنة - Monday 26 May 2025
لم يكن أحد يتوقع أن يتحول اليمن، البلد الذي أنهكته الحروب الداخلية والفقر والتدخلات الخارجية، إلى لاعب إقليمي يُعيد رسم قواعد الاشتباك العسكري ويكسر واحدة من أثقل التوازنات في الشرق الأوسط. لكن هذا ما حدث. اليمن، ومن خلال حركة أنصار الله (الحوثيين)، بات اليوم يمتلك قدرة صاروخية وبحرية تُجبر حتى الدول الكبرى على إعادة حساباتها.
منذ 2015، ركّز الحوثيون على تطوير ترسانتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة محليًا، مدعومين بخبرات إيرانية مباشرة أو غير مباشرة، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في كيفية تحويل هذه القدرات من أدوات دفاع محلي إلى وسائل ردع إقليمي.
الضربات الدقيقة على منشآت النفط السعودية، والهجمات المتكررة على سفن في البحر الأحمر، وإطلاق صواريخ باليستية ومجنحة تتجاوز مداها الـ1000 كم، جميعها دلائل على تطور نوعي، يُشير إلى وجود منظومة تصنيع واختبار وتوجيه متقدمة، لا مجرد نقل تقني بسيط.
لطالما كان ميزان القوة في الخليج يميل بشكل واضح لصالح السعودية والإمارات بدعم أمريكي وإسرائيلي، مقابل توازن هش في اليمن. إلا أن ما فعله اليمن في الشهور الأخيرة — خاصة خلال الحرب على غزة وتصعيداته في البحر الأحمر — كسر هذه القاعدة.
فشل التحالف الأمريكي – البريطاني في تحييد الحوثيين بحراً، وتوسّع ضرباتهم نحو البحر العربي وحتى المحيط الهندي، يعني أن القوة اليمنية باتت خارج حدود “المناوشات”، ودخلت نادي الفاعلين الإقليميين المؤثرين.
تستخدم صنعاء اليوم الصواريخ كمواقف سياسية. كل ضربة على سفينة تجارية، أو إعلان عن منظومة جديدة، هو في الواقع رسالة إقليمية ودولية: “نحن هنا، وسنُعيد صياغة قواعد الاشتباك.”
لم تعد طهران وحدها الطرف الذي يمتلك أوراق الضغط غير المتكافئة في المنطقة. صنعاء أصبحت نقطة ارتكاز استراتيجية في جنوب الجزيرة العربية، وباتت مدرجة في خرائط العواصم الكبرى كطرف غير قابل للتجاهل.
اليمن قد لا يكون هو “القوة الصاعدة” الوحيدة، لكنه بات النموذج الأوضح لتحول الفاعلين من دول ضعيفة أو منهارة إلى محاور عسكرية تمتلك أدوات التأثير الجيوسياسي.
إذا استمرت هذه المعادلة، فنحن أمام شرق أوسط جديد، ليس فيه قطب مهيمن واحد، بل شبكة من القوى الصاعدة غير التقليدية: من اليمن إلى حزب الله، ومن العراق إلى فصائل المقاومة في غزة.
هذا لا يعني نهاية التفوق العسكري الإسرائيلي أو تراجع النفوذ الأمريكي، لكنه يعني أن التكلفة باتت أعلى، وأن الردع لم يعد أحادي الاتجاه.
اليمن لم يعد مجرد ساحة صراع هامشية، بل تحوّل إلى مختبر مفتوح لصياغة توازنات جديدة، وصعود أطراف غير تقليدية من بين ركام الحروب والحصار.
وإذا لم تُدرك القوى الكبرى هذا التحول، فستكون المفاجآت القادمة — ربما من البحر أو السماء — أكبر من أن تُحتوى بحاملات طائرات أو بيانات إدانة.
سلام