منذ سنة - Sunday 27 April 2025
AF
في عالمٍ تزدحم فيه الوجوه وتخبو فيه الأضواء سريعًا، يبقى عادل إمام أشبه بآخر الملوك، أولئك الذين لا تحكمهم شرائع السوق، بل يفرضون حضورهم بحكم الموهبة، والصدق، والتاريخ.
ليس عادل إمام مجرد اسم ذهبي في دفاتر السينما والمسرح، بل هو زمن كامل، حقبة عريضة، نُسجت على مهل بخيوط من الذكاء الاجتماعي، وسخرية الوعي، ودموع الضحك الذي لا يخلو من غصة.
كأنما وُلد الرجل وفي عينيه مرآتان: واحدة ترى الواقع كما هو، بلا تزييف، وأخرى تعيد صوغه بابتسامة تعرف كم يحمل الضحك من وجع صامت.
في هوليود أنجبت الأيام شارلي شابلن، صانع البكاء الممزوج بالضحك. وفي قلوب العرب، أنجبت مصر عادل إمام، الرجل الذي وضع جراحنا فوق المسرح دون أن يشهر سكين الألم، وعلّمنا أن الضحك مقاومة، وأن الكوميديا أخطر سلاح في وجه العبث والاستبداد.
بين أروقة «مدرسة المشاغبين» وحنايا «عمارة يعقوبيان»، كان عادل إمام يسير بحذر فارسٍ يعرف أن كل ضحكة تحمل في طياتها رصاصة نجاة، وكل مشهد هزلي هو صرخة مكتومة في وجه الظلم، وكل كلمة عابثة هي حجر صغير في بناء وعي يتحدى السقوط.
لم تغره أضواء العالم، ولا استهواه أن يكون مجرد صورة لامعة على جدار السينما العالمية. بل ظل زعيماً محليًا بطراز عالمي؛ مخلصًا للهجته، لضحكته، لجمهوره، لوطنه، وللفن الذي آمن بأنه رسالة قبل أن يكون مهنة.
وهكذا، بينما يتساقط نجوم كثيرون كأوراق الخريف، يبقى عادل إمام ثابتًا كشجرة سنديان في ربيع لا ينتهي.
لقد صنع عادل إمام مجده بأدواته البسيطة: موهبة صافية، وذكاء اجتماعي خارق، وحساسية مدهشة تجاه نبض الشارع العربي. لم يكن يحتاج إلى انفجارات مؤثرات ولا إلى بهرجة الإنتاج؛ كان يكفيه مشهد واحد، نظرة واحدة، كلمة عابرة، ليصنع بها أسطورة خالدة
ليس لأنه صنع أفلامًا عظيمة فقط، بل لأنه كتب تاريخه بمداد الضحكة الجادة… الضحكة التي لا تموت